ابن بسام

27

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

النّمل ، في جوانبها علامات الوضّاع [ 1 ] . فقال له : أما تستحي من هذا الكذب ! ! هذا كتاب عاملنا ببلد يابرة ، يعلم بالذي تقدّم ذكره من صفة الأرض ، وإنما صنعت هذا تجربة لك . فجعل يحلف أنّه ما كذب وأنه أمر وافق . وقال [ 2 ] له المنصور يوما : ما الخنبشار في اللغة ؟ قال : حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب ، وفي ذلك يقول شاعرهم : لقد عقدت محبتها بقلبي * كما عقد الحليب بخنبشار وقال له [ 3 ] مرّة وقد قدّم طبق فيه تمر : ما التمر كل في كلام العرب ؟ [ فقال ] : يقال تمركل الرجل تمركلا إذا التف في كسائه . وكان مع ذلك عالما ؛ حدّث العاصميّ النحويّ قال [ 4 ] : لما سألناه مرارا عن مسائل من النحو بحضرة المنصور فقصّر فيها ، قال ابن أبي عامر : فإنّه من طبقتي في النّحو أنا أناظره . ثمّ سألنا صاعد يوما فقال : ما معنى قول امرئ القيس : كأنّ دماء الهاديات بنحره * عصارة حنّاء بشيب مرجّل [ 5 ] فقلنا هذا واضح ، وإنّما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها إلى صدره فجاء هكذا . فقال صاعد : سبحان اللّه ! أنسيتم قوله قبل هذا في صفته : كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه * كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل قال : فبهتنا وكأنا لم نقرأ البيت قط . وقد اضطررنا إلى سؤاله ، فقال : إنّما عنى أحد وجهين : إمّا أنّه نضح صدره بالعرق وعرق الخيل أبيض ، فجاء مع الدم كالشّيب ، وإما أشياء كانت العرب تصنعها وذلك / أنها كانت تسم باللبن الحارّ في صدر الخيل فيتمعّط ذلك الشعر ، وينبت كأنّه شعر أبيض ، فأيّا ما عنى من أحد الوجهين فالوصف مستقيم .

--> [ 1 ] زاد في الجذوة : هكذا ، هكذا . [ 2 ] نفح الطيب 3 : 81 . [ 3 ] الجذوة : 225 ، والنفح 3 : 82 . [ 4 ] الجذوة : 225 . [ 5 ] فاتت هذه الملاحظة شراح المعلقة ، فقد قال ابن الأنباري ( السبع الطوال : 92 ) أراد أنه يلحقها فيطعنها فتصيب دماؤها نحره ، وقوله : بشيب مرجل : معناه بشيب قد غسل عنه الحناء فرجل .